الجمال والطقوس
زيت الأركان: عمل التعاونيات النسائية في سوس
من شجرة الأركان إلى القارورة: مراحل مهارة تقليدية اعترفت بها اليونسكو، ودور التعاونيات النسائية في سوس، ومعايير عملية لاختيار زيت أصيل.
على المنحدرات المطلّة على أكادير وتارودانت والصويرة، تبدو شجرة الأركان أشبه بزيتونة عتيقة ذات أشواك. وهي لا تنمو نموًّا طبيعيًّا بهذا الامتداد في أي مكان آخر: إنها شجرة مستوطنة في جنوب غرب المغرب، تكيّفت مع الجفاف، وتثبّت التربة على أبواب الصحراء. ومن ثمرتها تستخرج أجيال من النساء الأمازيغيات زيتًا ذاع صيته في العالم كله. وخلف القارورة مهارة دقيقة وطويلة النَّفَس، وتنظيم اجتماعي يستحق أن نفهمه.
شجرة وأرض
تشكّل شجرة الأركان (Argania spinosa) في سهل سوس وعلى سفوح الأطلس الصغير والأطلس الكبير غابةً متفرقة الأشجار هي «الأركانة» (غابة الأركان). وفي عام 1998 صنّفتها اليونسكو محميةً للمحيط الحيوي: إقليمًا واسعًا يُسعى فيه إلى التوفيق بين حماية النظام البيئي وحياة السكان الذين يعتمدون عليه. فالشجرة تُطعم القطعان، وتوفّر الحطب، وتحمي المزروعات من الرياح، وتمنح بطبيعة الحال زيتها.
وفي عام 2014 أُدرج «الأركان، الممارسات والمهارات المرتبطة بشجرة الأركان» في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية. ثم أعلنت الأمم المتحدة يوم 10 مايو يومًا دوليًّا لشجرة الأركان، واحتُفل به لأول مرة عام 2021. واعترفت منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) عام 2018 بالنظام الزراعي الغابوي الرعوي لشجرة الأركان في منطقة آيت صواب – آيت منصور تراثًا زراعيًّا عالميًّا.
من الثمرة إلى الزيت، مرحلةً مرحلة
تشبه ثمرة الأركان زيتونةً صغيرة ممتلئة. وهي تنضج خلال الصيف، وتُجمع تقليديًّا بعد سقوطها على الأرض بدل إسقاطها بالعصيّ. ثم تأتي مراحل عدّة، لا يزال معظمها يدويًّا.
- التجفيف. تُجفَّف الثمار تحت الشمس، مما يسهّل نزع اللبّ.
- نزع اللبّ. يُزال اللبّ الجاف لتحرير النواة.
- التكسير. وهي المرحلة الأطول والأدقّ. فنواة الأركان شديدة الصلابة على نحو استثنائي: تكسرها النساء واحدةً واحدة بين حجرين، بحركة جافة ودقيقة، لاستخراج اللوزات دون سحقها، وعددها من واحدة إلى ثلاث في كل نواة.
- التحميص، أو عدمه. في الزيت الغذائي تُحمَّص اللوزات تحميصًا خفيفًا، فيكتسب الزيت مذاق البندق ولونه الكهرماني. أما في الزيت التجميلي فتبقى نيئة.
- الاستخلاص. كانت اللوزات تُطحن تقليديًّا بالرحى الحجرية، ثم تُعجن العجينة الناتجة باليد طويلًا مع قليل من الماء الفاتر حتى يخرج منها الزيت. واليوم تستعمل معظم التعاونيات معاصر آلية تتيح عصرًا على البارد أنظف ومردودًا أفضل.
حلّت الآلة محلّ الرحى. أما التكسير فيظل من عمل الأيدي، نواةً بعد نواة.
أما الكُسب، أي ما يتبقى بعد الاستخلاص، فيُستعمل تقليديًّا علفًا للماشية: لا شيء يضيع. ويلزم عشرات الكيلوغرامات من الثمار للحصول على لتر واحد من الزيت، وهذا وحده يفسّر ثمن الزيت الأصيل.
التعاونيات النسائية
منذ تسعينيات القرن العشرين، تأسست في سوس تعاونيات نسائية لتنظيم إنتاج الزيت وبيعه، بمبادرة خاصة من الكيميائية زبيدة شروف، من جامعة محمد الخامس بالرباط، التي عملت كثيرًا على تثمين شجرة الأركان وعمل النساء القرويات. وتُسجَّل التعاونيات المغربية لدى مكتب تنمية التعاون.
والمبدأ بسيط: تجميع المنتِجات، والاشتراك في الأدوات كالمعاصر، والبيع المباشر دون الارتهان الكامل للوسطاء. وقد مثّلت التعاونية لكثير من النساء أول دخل خاص بهنّ، وأحيانًا فرصة للالتحاق بدروس محو الأمية.
غير أنه ينبغي النظر إلى الواقع بوضوح. فقد اجتذب النجاح العالمي لهذا الزيت فاعلين صناعيين، وليست كل الزيوت الموسومة بـ«زيت التعاونية» سواءً: فبعض الهياكل تشتري اللوزات من خارجها، وتتفاوت كثيرًا حصة النساء من الثمن النهائي. ومن هنا أهمية معرفة مصدر الزيت بدقة، وتفضيل سلاسل الإنتاج الشفافة.
كيف تختار زيت الأركان
بعض المعايير تجنّبك المفاجآت غير السارّة:
- التركيب. الزيت الخالص لا يحتوي إلا على مكوّن واحد. وفي مستحضرات التجميل يجب أن تذكر قائمة المكوّنات (INCI) عبارة Argania spinosa kernel oil ولا شيء سواها.
- الاستعمال. الزيت التجميلي غير المحمّص رائحته خفيفة ولونه ذهبي فاتح. أما الزيت الغذائي المحمّص فرائحته رائحة البندق المحمّص، ولا يُستعمل إلا في الطبخ، ويُفضَّل دون تسخين.
- العصر على البارد يحفظ خصائص الزيت؛ وهو القاعدة في الاستعمال التجميلي.
- المنشأ والعلامات. يتمتع زيت الأركان منذ عام 2009 بمؤشر جغرافي محمي هو «أركان». كما أن الشهادة العضوية، أو ذكر اسم التعاونية أو منطقة الإنتاج، ضمانات إضافية.
- التعبئة. تحمي القارورة الزجاجية الداكنة الزيت من الضوء. وبعد فتحها، احفظها في مكان بارد بعيدًا عن الشمس، واستعملها خلال الأشهر التالية.
ينبغي أن يثير الريبةَ كلُّ زيت يُباع بثمن بخس جدًّا، أو يكون فاتحًا جدًّا وعديم الرائحة، أو مخلوطًا بزيوت نباتية أخرى.
في الحمّام وعلى المائدة
في التجميل تكفي بضع قطرات: على الوجه مساءً، وعلى أطراف الشعر، وعلى اليدين والأظافر، أو بعد الحمّام، عقب الصابون البلدي الأسود والغاسول. وفي المطبخ يُسكب الزيت المحمّص على السلطة أو الكسكس أو الطاجين عند التقديم. ويدخل أيضًا في تحضير «أملو»، وهو معجون من اللوز المحمّص وزيت الأركان والعسل يُقدَّم على مائدة الفطور في سوس.
إن اختيار زيت الأركان هو في النهاية اختيارٌ لسلسلة إنتاج. فخلف كل قارورة شجرة تُصان، وأيدٍ كسرت آلاف النوى، واحدةً واحدة.